عبد الملك الجويني
61
الشامل في أصول الدين
صاروا إلى أن الحدوث يتحقق في أحوال البقاء ، وهذا أسد الطريق فإن الباقي هو الحادث بعينه ، وما كان عين الحادث ، كيف لا يكون حادثا ، فاندفع السؤال . فإن قال السائل بعد : فما بال القدرة تعلقت في الحالة الأولى دون الثانية ؟ قلنا : هذا الآن خوض في أحكام القدر ، فلا معنى للخوض فيه ، وقد قال الأستاذ أبو إسحاق : لا يتصف الباقي بالحدوث ، والسديد الطريقة الأولى . ولكن إن سلكنا طريقه فسبيل الجواب : أن الحدوث لما اختص بالحالة الأولى كان مقتضيه تعلق القدرة ، فإن الذات تثبت أولا بالقدرة ، ولما لم تتعلق القدرة في الثاني ، لم يثبت حكم الحدوث . فصل [ ضرورة ثبوت ضروب من الأعراض ] من أهم ما تتعلق الإحاطة به أن نعلم أن ضروبا من الأعراض تثبت ذواتها اضطرارا ، إذ محاولة الأدلة على إثباتها حيد عن التحقيق . فإن المعلوم ضرورة لا ينفي نظرا . وإيضاح ذلك أن الألوان المعتورة على الذات تدرك حسا وتعلم اضطرارا وكذلك من أحسّ من نفسه لذة ، ثم أحس بعقبها ألما وكذلك القول فيما يدرك من الأعراض ببعض الحواس كالأصوات المدركة بحاسة السمع ، والطعوم المدركة بحاسة الذوق ، والروائح المدركة بحاسة الشم ، والحرارة والبرودة المدركتان بحاسة اللمس . فمن جحد هذه المعاني انقطع عنه الكلام ، وإن أثبتوها وأنكروا مغايرتها للجواهر ، كان إثبات ذلك هينا . وذلك أنا نقول : إذا أحسسنا لذة ، فنعلم ضرورة عدم الألم معها ، ثم إذا زالت اللذة ، وثبت الألم ، فنعلم أن هذا لم يكن فثبت ، ولو كان عين الذات كان قبل ذلك إذ كان الذات قبل ، وهذا لا مخلص لهم منه ، فاطرده في كل عرض محسوس . ومما نستدل به أن نقول : إذا قدر الواحد على الحركة والتقلب في الجهات ، فيعلم من نفسه حال القادرين بديهة ، ويفصل عن كونه قادرا ، وبين كونه عاجزا ممنوعا . ثم يعلم اضطرارا أن قدرته قدرة على مقدور ، إذ يتناقض القول ، لو لم يكن كذلك . ويستحيل أن يقال : هو يقدر وليس له مقدور . ووضوح ذلك يغني عن الإغراق فيه . فإذا وضح ذلك قلنا : فلا يخلو مقدوره : إما أن يكون عين الذات ، وإما أن يكون معنى زائدا عليه ، وإما أن يكون إعدام معنى من الذات ، أو إعدام الذات . ويستحيل أن يكون المقدور عين الجوهر ، إذ الجوهر مستمر الوجود ، ولا تتعلق القدرة إلا بأثر من الآثار يتجدد . ووجود الجوهر ليس بأثر متجدد ، ويستحيل أن يكون المقدور عدم الذات ، إذ الذات مستمرة الوجود ، ولا معنى